عندما نظرت من النافذة، كان باب غرفة الغسيل في أقصى الساحة مواربا، والضوء الأبيض يتسلل خلل الإطار ويضيء الجزء المواجه للباب من شجرة الكينا، فعرفت أنها شفيعة تتحدى مجددا قرار مدير الدار وتغسل بعد العاشرة مساء، وأنه الآن مع عائلته يتقلبون ولابد على أسرّتهم في بيتهم الذي يقع فوق هدير الغسالات هذا كان انتقامها منه، فقد فاجأها هذا الصباح بزيارة في البيت الذي تناوب فيه، وكانت زيارة مصيدة، لأنه لم يعتد القيام بأنشطة تتعلق بالعمل في أيام الجمع، وعندما دخل وجد الأطفال الثمانية جالسين على المقاعد كمقاعد، أيديهم مسبلة إلى جانبهم وأعينهم شاخصة في الفراغ، دون لعبة لأنها خزنت كل الألعاب حتى لا يبعثروها وتضطر إلى لمّها، ودون حلوى في أيديهم حتى لا يوسخوا ملابسهم ويهرهروا الفتات، وبعيدين عن بعضهم مسافة كافية كي لا يشتبكوا، وكانت هي جالسة تتفرج على برنامج لتعليم شغل السنارة، وإلى جانبها نصف عصا مكنسة، فصرخ بها:على الأقل افتحي لهم على أفلام كرتون
لقد طأطأت، وكان هذا مريعا لأنها ابتلعت سكين الإهانة، وثانيا لأنها تعرف أنها بعد خروجه ستخوض مع الأولاد معركة شرسة بعد أن شاهدوها تعنف وتطأطئ رأسها مثل بنت صغيرة، معركة ربما ستحتاج فيها إلى أكثر من عصا مكنسة
في المساء بعد أن ناموا جاءت إليّ وكانت مخنوقة، قالت: لم لا يحدد الذي يريده؟ هل يريد أطفالا نظيفين مهندمين ممشطين، وبيتا نظيفا لامعا أربعة وعشرين ساعة؟ هذا معرضه، ولكنه إذا أراد أولادا يعيشون حياة طبيعية كالتي يعيشها أولاده، فإنه يجب ألا يحاسبني على الوساخة والكركبة والخنان الذي يسيل من انوفهم، لأنهم ثمانية وأنا واحدة
معارض
هكذا كنا نسمي بيوت الدار، عندما كان بإمكان المدير في أي لحظة من النهار أن يدفش الباب بقدمه، ويدخل ليفتش على خزائن المطبخ والمجلى وخزائن الملابس، ويتفقد غرف النوم ووضعية الأسرة وحالة الحمامات، والطامة هي عندما يأتي في زيارة مع ضيف، ويكون هذا الضيف مسؤولا جاء في زيارة إلى المدينة، أو متبرعا غربيا، أو امرأة من نساء المجتمع المخملي.. تدخل المرأة بعطرها الخفيف الثمين وشعرها القصير المسرّح برقي، وتمسح على شعور الأولاد وهي تردد: يا حرام يا حرام، وشفيعة تحاول باستماتة إبعاد الأولاد حتى لا ينقلوا الدبق إلى ثياب المرأة، الأولاد الذي يكونون قد هجموا، كما يهجمون دائما على أي شخص ينظر إليهم ويبتسم لهم، فتقول المرأة: لا خليهم
وتكون شفيعة تصلي كي ينتهي هذا سريعا، وعندما تخرج المرأة تعلّق: هل تلاحظين أن النساء الغنيات إما مسيحيات أو يشبهن المسيحيات؟
كان هذا ضاغطا، لأننا كنّا ننسى أن على أكتافنا ملائكة تحصى الحركات والسكنات، ولا ننسى المدير الذي صنع لنفسه نسخا أثيرية تراقبنا من خلف ظهورنا
ومع هذا فإن شفيعة لم تكن بريئة تماما، لأنها كانت تسهر إلى الثانية صباحا كل يوم، تطارد المسلسلات والأفلام وبرامج المنوعات، ثم تستيقظ في السادسة والنصف، وأمامها نصف ساعة لتجهز ثمانية للمدرسة، فكانوا يخرجون مرتدين ملابسهم كيفما اتفق، دون أن يغسلوا وجوههم، ودون إفطار، ولديهم في حقائبهم المدرسية بدل الساندويشات قرشلة
كانت المعلمات في مدارس الأولاد يعرفن برنامج مناوباتها، يكفي أن ينظرهن إلى تبدل أحوالهم، فيعرفن هي في أي بيت هذه الأيام
لمن تمشط شفيعة؟
لم تكن الأخريات في الغالب أقل سوءا، ولكنهن كن أكثر ذكاء وحذرا، وكن يمضين الوقت كل الوقت في تهيئة التفاصيل الصغيرة، وترتيب الواجهة المتقنة المشغولة بعناية، الواجهة التي يقدمنها للمدير وللضيوف ولبعضهن البعض، في حين كان لشفيعة التي ترتكب الخطأ وراء الخطأ، معراة الظهر، صورة قروية تتسوق في المدينة
هذا جعلها عرضة للسكاكين وللمكائد التي كانت تحاك طوال الوقت، والذي كنت أستغربه هو قدرتها على أن تبدأ على بياض مع الذين آذوها، يكفي أن يأتي ذلك الشخص، ويقدم لها كوب شاي ويقول تفضلي، فتتفضل
مرة جاء إلى الدار عامل نظافة مصري
في البداية قالت إنه ليس جميلا لأنه يشبه أحمد زكي، ولكنها بعدها بدأت تحتفي به دون حذر، صارت تقدم له الشاي كلما كان قريبا، وتضع له على المجلى الخارجي إبريق ماء تجدد ثلجه باستمرار، وأحيانا تقدم له وجبات طعام
وعندما كانت تقطع الساحة ذاهبة من منزل إلى آخر، تمر به فتخفض رأسها وتقول بصوت منخفض مرحبا، فيقف مستندا على المكنسة ويقول:أهلا
ثم في يوم جاءت إليّ وفي يدها ورقة ناولتني إياها وهي تقول بفرح: اقرئي
لقد كانت ورقة منزوعة من دفتر مدرسي، مكتوبة بخط بدائي، وبلغة خليط من العامية والفصحى، كانت رسالة من عامل النظافة يخبرها فيها أنه يحبها، وإنه لايستطيع العيش من دونها
لا أعرف إن كان جادا، ولكنها بالتأكيد لم تكن جادة
كان لها شبكة من الرجال صحيح، ولكن أبو مكنسة لن يحلم بأن يكون خيطا فيها
ومع هذا واصلت الاحتفاء به، فقد كان في النهاية رجلا، تمر به فيتوقف عن التكنيس، ينظر إليها بود ويقول مرحبا
وفي يوم مرت بها سعدية ، وكانت شفيعة منهمكة في التنظيف وهي مشعثة الشعر، فسألتها سعدية: لماذا لا تمشطين شعرك؟
فقالت شفيعة: ولمن أمشطه يا حسرة
هنا نظرت إليها سعدية وقالت بقسوة: للزبالين المصاروة